
إعجاز علمي
إعجاز كلمة الميزان في القرآن
February 6th, 2010
إعجاز كلمة الميزان في القرآن
بقلم/ د. نجاة محمد رشيد رؤوف العبيدي
جامعة بغداد/ كلية لعلوم/ قسم الفلك والفضاء
إن الله سبحانه وتعالى قد وضع لهذا الكون بما فيه من مخلوقات خلقها قانون واحد لا غير ونظام متوازن يحكم كل شيء، وهذا عكس ما يدعيه بعض العلماء بفوضوية الكون، وهذا القانون متوازن وعادل ولا خلل فيه ولكن بالنسبة للبشر فأن هذا القانون غامض غير معروف بسبب إدراكهم المحدود. بتأمل الآية الكريمة (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) [الرحمن: 7] وعظمة كل كلمة فيها نجد إن الميزان الذي رفع الله به السماء هي نعمة من نعم المولى عز وجل ينبغي التفكر فيها، وهي معجزة إلهية لم يتمكن العلماء من كشف أسرارها إلا في أواخر القرن العشرين، وهذا يشهد على إعجاز هذه الآية الكريمة.
قصة النبي شعيب عليه السلام والميزان:
أرسل الله تعالى شعيباً إلى أهل مدين وكانوا يعبدون الأيكة (وهي شجرة) وكانوا ينقصون المكيال والميزان ولا يعطون الناس حقهم فدعاهم إلى عبادة الله وان يخافوا الله في تعاملاتهم مع الناس، قال تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) [هود: 84]. ينتقل النبي إلى قضية المعاملات اليومية، قضية الأمانة والعدالة وكان أهل مدين ينقصون المكيال والميزان، ولا يعطون الناس حقهم. فجاء نبيهم وأفهمهم ان هذه سرقة وأنه يخاف عليهم من عذاب يوم القيامة (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [هود: 85] ولا يزال شعيب عليه السلام يدعوهم ويوصيهم أن يوفوا المكيال والميزان بالعدل والحق ويحذرهم من أن لا يقللوا من قيمة أشيائهم وان الأشياء لا تقتصر على البيع والشراء وإنما تشمل الأعمال أي إياكم من ظلم الناس في معاملاتكم وإعطاء الأجير أجره كاملا من غير نقص. وإذا لم تنتهوا مما انتم عليه من كفر وعصيان فأن كل هذا سوف يؤدي إلى انهيار المجتمع ودماره وهذا ما كان عليه نهاية قوم شعيب بعد رفضهم أن يستجيبوا لدعوة نبيهم فكان عقابهم غضب الله عليهم بأن أوحى الله إلى شعيب أن يخرج من القرية ويأخذ معه المؤمنين وجاء أمره تعالى وهي صيحة واحدة (صوت جاءهم من غمامة أظلتهم) ولعلهم فرحوا بما تصوروا أنه ما تحمله من المطر ثم فوجئوا أنهم أمام عذاب يوم عظيم وكانت نهايتهم جاثمين بدون أي حركة في ديارهم من هول الصيحة [1].
ما جاء عن لسان المفسرين في كلمة الميزان
في هذا الجانب سوف اذكر مختصرا ما جاء عن لسان بعض المفسرين واخترت منهم القرطبي وابن الكثير رحمهم الله وأثابهم، لأبين أن كل ما جاءوا به إجمالاً وتفصيلاً عن الميزان هو العدل في المعاملات، فما جاء في تفسير القرطبي من قوله تعالى: " وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ " أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء. والقسط: العدل.
وقوله: "والسّماءَ رَفَعَها" يقول تعالى ذكره: والسماء رفعها فوق الأرض. وقوله: "وَوَضَعَ المِيزَانَ" يقول: ووضع العدل بين خلقه في الأرض. وقوله: "ألاّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ" يقول تعالى: ألا تظلموا وتبخَسُوا في الوزن. وقوله: "وأقِيمُوا الوَزْنَ بالقِسْطِ" يقول: وأقيموا لسان الميزان بالعدل. وقوله: "وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ" أي ولا تنقصوا الوزن إذا وزنتم للناس وتظلموهم. والآية الكريمة (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [هود: 85] يقول تعالـى أوفُوا الناس الكيـل والـميزان بـالقسط, بـالعدل. ونوجز عن ابن الكثير في تفسيره للآية الكريمة (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) [الرحمن: 7] يقول فيها بما معناه إن الله خلق السموات والأرض بالعدل لتكون الأشياء كلها بالحق [2]. هذا ما ورد عن المفسرين ولكن لكل زمان تفسير لأن القرآن جاء متكامل ويتفق مع كل عصر وبما أنه الآن نحن في عصر التكنولوجيا الحديثة وعصر غزو الفضاء فلا بد من تفسير يتفق مع هذا التقدم وهذا ما أقدمت عليه في هذه الدراسة هو تفسير لكلمة الميزان وما تتفق مع العلم الحديث وصدق من قال " وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا " [الاسراء].
ما هي العلاقة بين رفع السماء والميزان؟
إن القرآن الكريم تحدث بدقة عن رفع السماء وبناءها، فكلمة سماء تطلق على كل ما علا وارتفع فوقنا والذي هو بمثابة سقف لأهل الأرض حيث يرتفع ألاف الكيلومترات فوق سطح الأرض وهو الغلاف الجوي المحيط بالأرض، والذي يقسم إلى عدة مناطق وحسب الخصائص الحرارية والكيميائية للغازات المتعادلة والمتأينة التي تحتويها. فلو أخذنا على سبيل المثال إحدى هذه الطبقات وهي طبقة الأيونوسفير لأهميتها في الاتصالات ونقل الموجات الراديوية وبما عهد الله لهذه الطبقة من إمكانية عكس هذه الموجات وفي قوله تعالى (والسماء ذات الرجع)، وإذا استعرضنا هذه الطبقة وما تحويه من كثافة الكترونية نجدها مقسمة إلى المناطق التالية:
مدى إمكانية طبقة الأيونوسفير من عكس الموجات الراديوية باستخدام هوائيات خاصة
طبقة D: تمتد من ارتفاع 50-90كم تقريبا بأعظم كثافة الكترونية تحدث بعد الظهر ما بين (109-108) إلكترون لكل متر مكعب أما في الليل فأن التأين في هذه الطبقة معدوم.
طبقة E: تمتد من ارتفاع 90-130كم تقريبا بأعظم كثافة الكترونية تحدث تقريبا في منتصف النهار أي ظهراً بالتوقيت المحلي وبقيمة (1011) إلكترون لكل متر مكعب وفي الليل تقريبا التأين واطئ جدا يكاد يختفي.
طبقة F1: وتقع بين ارتفاع 130-210كم تقريبا بأعظم كثافة الكترونية تكون في الظهر (2x1011) إلكترون لكل متر مكعب وهي مثل طبقة E تختفي ليلاً.
طبقة F2: وهي أعلى طبقة وتمتد من ارتفاع 210-500كم تقريباً، وتظهر أعلى كثافة الكترونية من بين كل الطبقات بحيث يصل في النهار إلى (1012) إلكترون لكل متر مكعب، أما في الليل فتصل الكثافة الالكترونية إلى (5x1010) إلكترون لكل متر مكعب.
الشكل يبين طبقات الأيونوسفير في الليل والنهار والتي توضح العلاقة بين درجة التأين بوحدات (عدد الالكترونات لكل سنتمتر مكعب) كدالة للارتفاع بالكيلومتر.
وتجدر الإشارة إلى أنه في كل طبقة من هذه الطبقات هنالك توازن مستمر بين عمليات التفكك للذرات والجزيئات الموجودة فيها والمتولدة بفعل الأشعة السينية والفوق البنفسجية ذات الطاقات العالية القادمة من الشمس والمتمثلة بالأشعة الكهرومغناطيسة وبين إعادة الاتحاد لهذه الايونات المتولدة وان هذا التوازن يشمل كل طبقة من طبقات الجو ويمكن ان نمثل هذا التوازن بمعادلة الاستمرارية. كما وجد ان هنالك علاقة ربط بين ما تحويه كل طبقة من كثافة الكترونية وبين درجة حرارة تلك الطبقة وبما ان درجة الحرارة ترتبط بالطاقة بعلاقة رياضية وهذا ما توصل إليه العالم ستيفان بأن كمية الطاقة تتناسب طرديا مع الأس الرابع لدرجة الحرارة وهذا يعني انه هنالك توازن بالطاقة لكل طبقة من الطبقات. ومن خلال الدراسة والبحث في مواقع الانترنيت لوكالات الفضاء وجدت بحث منشور للباحث مارك دافيس وهو احد علماء وكالة الفضاء الأمريكية ناسا يقول فيه ان هنالك توازن بالطاقة التي تحكم هذا الكون بنص العبارة[ balance ].(3)
القوى التي تحكم الكون وتجعله متزناً
لو تأملنا هذا الكون الواسع لوجدنا انه يتكون من وحدة بناء صغيرة جدا ألا وهي الذرة وان من تجمع هذه الذرات تتكون الجزيئات ويجدر الانتباه إلى أن ترتيب هذه الذرات والجزيئات لا يكون عشوائي وإنما وفق نظام متوازن ومنتظم تحكمه قوى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز) ٌ[الحديد: 25]. وفيما يلي نذكر القوى التي تؤثر في الأجسام عامة من أضعفها إلى أقواها:
1- القوة الجاذبية: وهي أضعف القوى الموجودة في الطبيعة وعلى الرغم من ضعفها إلا أنها القوة الوحيدة من بين هذه القوى التي يظهر تأثيرها على مسافات بعيدة وسحيقة من هذا الكون، فهي التي تربط الكواكب بالشمس وفيما بينها وتمنع الأجسام من التطاير.
2- القوى الضعيفة: ويطلق عليها أيضا بالقوى النووية الضعيفة وهي القوة الناتجة من انحلال النيوترون داخل النواة إلى بروتون وإلكترون ونيوترينو وهذا الانحلال ناتج من بعض الفعاليات الإشعاعية، وإن تأثير هذا النوع من القوى لا يتعدى تأثيره حدود نواة الذرة.
3- القوة الكهرومغناطيسية: وهي قوة شدتها أضعاف شدة القوة الجاذبية ببلايين المرات، ومهمة هذا النوع من القوى تقوم بربط الذرات والجزيئات وجعلها متماسكة مع بعضها البعض أي إن تأثيرها يظهر بين الجسيمات الحاملة للشحنات الكهربائية وبواسطة هذه القوى تنتظم مدارات الالكترونات حول النواة. إن تأثير القوة الكهرومغناطيسية يصل إلى مسافات بعيدة فهي التي تحافظ على دوران الالكترونات حول النواة. فيا روعة هذا التوازن ودقة الصنع فأبسط تغير في هذا النظام سوف يؤدي إلى انقلاب الكون.
4- القوى النووية: وهي أقوى القوى الموجودة في الطبيعة تقدر بقوة أكثر من ألف ضعف من القوة الكهرومغناطيسية، والتي تساعد على جمع البروتونات في حيز واحد داخل النواة فلولاها لما اجتمع بروتونان في مكان واحد وان مجال تأثيرها لا يتعدى نواة الذرة [4].
ان هذا الحساب الدقيق على مستوى الذرة هو الذي يحفظ التوازن في الكون الذي يبلغ من السعة تفوق التصور والحساب فأن غياب أي قوة من هذه القوى سوف يؤدي بالكون إلى الانهيار ولا يسعني إلا أن أقول احمد الله واشكره على هذه النعمة (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 191]. ولو بحثنا في كتاب الله لوجدنا آيات تتحدث عن هذه القوى التي تجعل الكون متماسك وقوي بقوله تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) [النازعات: 27] والعلماء اليوم يؤكدون على أن القوى الموجودة في الكون تفوق التصور وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى هذه القوى التي تطرقنا إليها من خلال كلمة (أشد) والتي تعني القوة والترابط.[5]
ما الذي يجعل حرارة الأرض متوازنة؟
للإجابة على هذا السؤال يجب أن نتحدث أولاً عن مصدر هذه الحرارة. تعتبر الشمس مصدر لكل الطاقة التي تمدها لمحيطات الأرض وجوها وإن هذه الطاقة تستخدم لتسخين الأرض بحيث تقوم برفع درجة حرارتها. إن التوازن في طاقة الأرض هو مفهوم استخدم لفهم كم من الطاقة تأخذها الأرض من الشمس، وما هي مقدار الطاقة التي تشعها الأرض ثانية إلى الفضاء الخارجي كضوء غير مرئي. فإذا احتفظت الأرض وجوها بالطاقة الشمسية أكثر مما تشع، في هذه الحالة الأرض سوف تسخن وترتفع درجة حرارتها، أما إذا شعت الأرض وجوها إشعاع أكثر مما استلمت في هذه الحالة الأرض سوف تبرد. فلذلك أخذ العلماء يفكرون في التوازن الحراري للأرض وعبروا عنها بشكل ميزان (balance). ففي حالة احتفاظ الأرض بكمية اكبر من طاقة الشمس في هذه الحالة سوف تنبعث طاقة على شكل أشعة تحت الحمراء أكثر التي تجعلها متوازنة حراريا. أما إذا بعثت الأرض طاقة أكثر مما استلمت ففي هذه الحالة الأرض تبرد وعندها سوف تبعث طاقة أقل، إن هذا التعبير أيضاً يقود إلى التوازن الحراري.
الإشعاعات غير المرئية التحت الحمراء المنبعثة من الأرض والإشعاعات المنعكسة من الجو بواسطة الغيوم وغاز ثنائي أوكسيد الكربون تجعل الأرض متوازنة حرارياً.
إن امتصاص الأشعة من قبل الأرض يرفع من درجة حرارتها وأن انبعاث الإشعاع أو الحرارة من الأرض يقلل من درجة حرارتها. عندما تمتص الأرض أشعة الشمس وتبعثها على شكل طاقة فأن حرارة الأرض لا تتغير- في هذه الحالة يحصل التوازن الحراري- [ The Radiation Budget is in Balance ].(6)
التوازن الحراري للأرض
تعليق الباحثة الدكتورة تجاة العبيدي:
إن الله سبحانه وتعالى وضع هذا الكون بشكله المتوازن وإن أي خلل في أي نسب من مكونات هذا الكون سوف يؤدي به إلى الانهيار والانقلاب رأسا على عقب وتقوم القيامة، قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: 17]، وهذا ما تطرق إليه احد الباحثين حيث تحدث عن إحدى الظواهر التي سببها الإنسان في الإخلال في هذا الميزان الذي وضعه الله وسخره لخدمة البشر، ألا وهي ظاهرة الاحتباس الحراري [7].
المصادر
1- قصص الأنبياء " قصة النبي شعيب".
2- كتب المفسرين " الطبري والقرطبي وابن الكثير".
3- مقال من وكالة الفضاء الامريكية ناسا NASA, Godard Space Flight Center, February 1999,"Earth's Energy Balance".
4- شهادة الكون "رحلات في الفضاء من دافع الحياة" عبد الودود رشيد محمد (1990).
5- أسرار الكون بين العلم والإيمان المهندس عبد الدائم الكحيل طباعة موقع نور الحق.
6- مقال من وكالة الفضاء الأمريكية ناسا NASA, Atmospheric science data center,"What is the Earth's Radiation Budged?", 2008.
7- "ظاهرة الاحتباس الحراري: المرض والعلاج" بقلم الباحث المهندس عبد الدائم الكحيل.